أحمد بن علي القلقشندي

315

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ماضيا على الهول مضاء الحسام القاضب ، غاضبا لأمر اللَّه ورضاه على غاية هذا الغاضب ، مالت إليه الأجياد ، وانثالت عليه البلاد ، فانتظمها مدينة مدينة ، وجعل التوكَّل على اللَّه سبحانه شريعة منيعة وذريعة معينة ، وتقدّم - أيده اللَّه - بأخذ البيعة على نفسه وعلى أهل الملَّة قاطبة للقائم بأمر اللَّه سيّدنا ومولانا الخليفة الإمام المستنصر باللَّه أبي جعفر أمير المؤمنين ، صلوات اللَّه عليه وعلى آله الخلفاء الراشدين ، وكان له في ذلك المرام السّعيد ، والمقام الحميد ، والقدم ( 1 ) الذي رضي إبداءه وإعادته المبديء المعيد ، وخاطب الدّيوان العزيز النبويّ - خلَّد اللَّه شرفه - متضرّعا لوسائل خدمته ، متعرّضا لعواطف رحمته ، وبعث رسوله على أصدق رجاء في القبول ، وأثبت أمل في الإسعاف بالمأمول ، وأثناء هذه الإرادة القويمة ، والسّعادة الكريمة ، تفاوض أهل البلاد في توثيق عقدهم للسلطان فلان المشار إليه الذي هو حكم من أحكام الإجماع المنعقد ، وأصل أفضى إليه نظر الناظر واجتهاد المجتهد ، إذ أجالوا الأمر فيما يزيده وثاقة ، ويكسو وجهه على الأيّام بشرا وطلاقة ، ويجعل القلوب مطمئنّة برسوخه في الأعقاب ، وثبوته على الأحقاب ، فلم يروا رأيا أسدّ ، ولا عملا أحصف وأشدّ ، من أن يطلبوه بعقد البيعة لابنه الواثق باللَّه المعتصم به أبي بكر محمد بن مجاهد الدين ، سيف أمير المؤمنين ، على أن يكون وليّ عهدهم مدّة والده مدّ اللَّه في حياته ، وأميرهم عند الأجل الذي لا بدّ من موافاته ، فأمضى لهم ذلك من اتّفاقهم ، وأثبتوا على ما شرطته بيعته في أعناقهم . وبعد ذلك أتى صولة الإسلام ، وصلة دار السّلام ، وورد رسول مثابة الجلالة ، ونيابة الرّسالة ، وملتزم الملائك ، ومعتصم الممالك ، ومعه الكتاب الذي هو نص أغنى عن القياس ، بل هو نور يمشي به في الناس ، وأدّى إلى السلطان فلان المشار إليه من تشريف الدّيوان العزيز النبويّ ما وسمه من الفخار بأجلّ وسمه ، وقلَّده السيف الصارم وسمّاه باسمه ، فتلاقى السيفان المضروب والضارب ، واشتبه الوصفان الماضي

--> ( 1 ) ذكر « القدم » لأنه بمعنى السبق . حاشية الطبعة الأميرية .